محمد بن وليد الطرطوشي

154

سراج الملوك

ومثاله أيضا ، مثال الليل الذي جعله الله تعالى سكنا ولباسا ونوما وراحة وسباتا ، وقد يستوحش له أخو الفقر ، ويسارع فيه أهل الدعارة والفساد ، واللصوص ، وتعدو فيه السّباع ، وتنتشر فيه الهوامّ ، وذوات الحمة « 1 » ، والسّموم القاتلة ، ثم لا ينسى العباد نعم الله تعالى عليهم به ، ولا يرزأ « 2 » صغير ضرره بكبير نفعه . ومثاله أيضا ، مثال النّهار الذي جعله الله تعالى ضياء ونورا ، ونشورا واكتسابا وانتشارا ، وقد تكون فيه الحروب والغارات ، والتّعب والنصب ، والشّخوص « 3 » والخصومات ، فتستريح الخلق منه إلى الليل ، ثم لم ينس العباد نعمة الله تعالى عليهم فيه ، وهكذا كلّ جسيم من أمور الدنيا يكون ضرره خاصا ، ونفعه عاما ، فهو نعمة عامة ، وكل شيء يكون نفعه خاصا فهو بلاء عام . ولو كانت نعم الدنيا صفوا من غير كدر ، وميسورها من غير معسور ، لكانت الدنيا هي الجنة ، التي لا تعب فيها ولا نصب . وقد قال الشاعر : لا ترج شيئا خالصا نفعه * فالغيث لا يخلو من العيب * * *

--> ( 1 ) ذوات الحمة : الحشرات السامة . ( 2 ) لا يزرأ : لا يصيب . ( 3 ) الشخوص : الاختلاف .